مختارات من المجموعة الشعرية (ملائكة الأشواق البعيدة)

 

                     المدى

أنظرُ للمدى

الأسوارُ شاهقة ٌ

والأحزانُ كذلكْ..

 

                  الملائكة

 

الملائكة ُ التي احْتبَستْ فجأة ً

في الجوار ِ

تـَقـِفُ على مشارف ِ المدينة ِ

مصغية ً لاِرتجاف ِ قلوبـِنا

لكنـَّها لا تريد ُ الاِقـْتراب َ

لسماع ِ حِكاياتـِنا

 

إنها  تـَنحنيْ

فوقَ أسطـُحـِنا

لِتـَقرأ َ أساريرَنا

ولا تـَأبه ُ للجراح ِ التي

تـَسيلُ في كلِّ ليلةٍ .

 

إنها تذهب ُ الآنَ

بَعدَ أنْ شاءتْ

أنْ لا تـُلطـِّخَ أرديتـَها بدمائـِنا.

 

                        كلُّ شيء ٍ

 

سأدعُ كلَّ شيْء ٍ في مكانِه ِ

وَحتــّى الغبارَ الذي تكدَّسَ فوقَ الأشـْجار ِ

لتعرف َ هي أيضا ً

كم تتألم ُ أجسادُنا حين لا يَمسُها أحد.

 

                      وقع ُ المطر

 

أفقتُ على وقع ِ المطر ِ،

سهرُ الليلةِ الفائتة ِ يُجرِّحُ أجفاني

والكلامُ جفَّ كالمَوجةِ المتكسرةِ

في هضابٍ عطشى.

ظننتـُه جاءَ لِيلقيَ التحيَّة َ على

الكائنات ِ المتبقية ِ منْ ذِكرياتِنا

لكنـَّهُ لم يـَكـُنْ فِي مكان..

الخـُطـَى تقودُه إلى سـُلالاتـِها

وهو يَتـْبـَعُها كأعـْمى.

 

                  العتمة ُ دامسة ٌ

 

الـْعَتمـَة ُ دامسة ٌ رغمَ الأضْواء ِ العالية ِ،

اَلْقناديلُ بلا أرواح ٍ،

ونحن مـُسَيـَّجونَ بـِعَتـَمـَة ِ الأفـُق ِ

مَنْ مِنا سيبدأ ُ الكلامَ أوّلا ً

وَمَنْ مـِنـَّا

سـَيغفرُ للآخرِ.

 

                      صلواتـُها

 

أمّي تـُهرِّبُ صلواتِها

لِكـُل ِّ صباح ٍ آخر ٍ،

لِكـُل ِّعابر ٍ يحمـِلُ أنباءَنا،

وتـَتـَبادَلُ الـْعَتـَبَ

مَعَ الله ِ

لأنهُ لمْ يلبِّ أمنياتِها بَعـْدُ.

 

              أينمَا تأخذنا السهول ُ..

 

سيذهبُ الأصدقاءُ

ونبقى أنتَ وأنا

نتأمّلُ الحكاياتِ التي تركـَتـْها الليالي

فوْقَ وجوهِنا،

في خطوطِ أيدينا المـُحْتـَقـِنـَةِ

بعرق ِ كلِّ تلك السنين ِ،

وفي الصـَّمتِ الذي يتبارى بينـَنا

حينَ يتفاقمُ الكلام ُ.

 

                     هذهِ اللـَّيلة ُ

 

هـَذهِ الليلة ُ تـُشـْبـِهُ كلَ تلك العـَتمـَات ِ

وَهـِي أكثرُ وَحشة ً.

 

 

                 ضلـَّلـْتُ نـَفـْسي

ضلـَّلْتُ نفسي بالنوم ِ ثانية ً

مُصلـِّية ً أن يعودَ الطائرُ لينقـُرَ نافذتي

أو يدنوَ منَ الشـُّرفةِ مشاغباً هذا الصباحَ .

الطائرُ الذي كان يرافقُ شتاءاتـِنا

ويعرفُ في أيةِ ساعةٍ يُطلقُ صوتـَهُ

لينبـِئـَنا بمجيئه ِ.

(هل تتذكرُ الطائرََََََ ذا المنقار ِ الشاهق ِ؟)

اِنتظرتُ أن تمتدَ يدٌ لتحركَ صمتَ الغرفةِ

فطالتِ الأزمنة ُ،

اِحترقـَتْ أطرافُ اليوم ِ بأول ِ لسعةٍ من

برد ِ الليل ِ القادم ِ على عجل ٍ.

يومٌ آخرُ يذهبُ

السريرُ خال ٍ،

والأسطحُ ممتلئة ً برمال ِ عاصفةِ النـَّهار ِ.

الطائرُ الذي يعرفـُنا لا يريدُ الاقترابَ

منْ أشجارِنا،

والصمتُ كذلك

لا أظنـُّهُ سيتزحزح ُ من مكانـِه.

 

                  في جَنـَّة الـْمَساء

الذؤاباتُ ترتـَعِشُ فوقَ طاوِلـَتي

وكأنها ترعى سَهَرَ جنازةٍ،

الأصواتُ الخافتة ُ

تنهمرُ فوق قميص ِ المساء ِ مُوشـِكةًً ً

أن تـُغمِـدَ أنباءَها في الليل،

الليلُ يبيضُّ كعينـَيْ أعمى

وبصيرتي تتأمّلُ العابرينَ

يتهادُونَ في خـُطـُواتِهم

نـَحْـوَ الموتِ.

 

يا للهول

 

سقطـَ الكثيرونَ منَ القلبِ

وَها يسقط ُ الباقون.

 

            عَـتـَمَة ٌ مُختلفة ٌ

أجلسُ معَهُمْ على الطاولةِ

رُوحي لمْ تـَعُـدْ هُناكَ.

الشـَّمعة ُ الوحيدة ُ تترك ُ ظلالـَها

على وجوهِـهـِمْ

وتحبـِسُ عينيَّ بفتيلِها،

تـَرفعُ الذؤابة ُ قامتـَها لآخر ِ مرة ٍ

تاركة ً على زجاج ِ المصباح ِ

فاجعتـَها الأنيقة َ.

 

أرقـُبُ الضوءَ وأظنـُه يَعبـُر ُ إليّ

ليضيءَ أفكاري

لكنـَّهُ ينطفـِئ ُ

ولا ألحظ ذلك.

 

                  أمام الميناء

أمامَ الميناء ِ المُلـْقـَى

في الطـَّرفِ الآخرِ

تـَتـَّكِئُ على الكثيب ِ

مُحتـَمِية ً بالنـُقـْطـَةِ البعيدةِ المُعلـَّقةِ

كقميص ٍ عتيق ٍ على الفضاءِ.

الأ ُفـْق ُ أكثرُ هشاشة ً

حينَ ترتفِعُ  الأمواج ُ

والمدى مُحتقِن ٌ كـََصَوتـِها.

 

               الموجُ الخافت ُ

عبـَرَ طائرٌ من أمام ِ عَيْنيها

وهَطـَلـَتِ الأضواءُ كـَثلج ِ ليالي الميلادِ،

عبـَرَ الماضي بأسرِه ِ

لكنها لم ترتـَجـِفْ هذه المرة ْ.

 

              النيران ُ الموقدة

يَـتَسابقُ الحزنُ في تـَنـَفـُّسِها

ويَرْتـَجـِفُ صوتـُها أمامَ البحـْر ِ .

لا نافذة ً تُطِلُّ منها إلى الفرار ِ

ولا حتى ثـَقـْبا ً

تـُهرِّبُ منه جحيمَ وَحْدَتِها.

تأتي الظلمة ُ بكـُحْلِها

وشهيق ِ كائناتِها

وتذهبُ معَها السـَّكِينـَة ُ.

لاَ يَعْبُرُ الهواءُ إلى عَتـَبَةِ بابـِها

ولا ترى مَنْفـَذا ً

لهذا الحُبِّ المخبَّأِ تحتَ قميصِها

سوى ابقاءه ِ في أوراقـِها.

 

           دَعِ الضوءَ يأتيْ

أضاءَتْ شمعة ً

وأطلقَتْ للموسيقى

خيوط َ المساءِ

ثم غفـَتْ

مستذكرة ً سقوط َ

جسديهـِما في بعضـِهما البعضِ،

والحنينَ المرتـَبِكَ للحاناتِ العتيقة ِ،

الغـُرَفَ المهترئة َ

والشوارعَ الخافتة َ الأضواءِ

حينَ كان الحبُ أقلَّ تشابكاً

وأكثرَ حرارة ً.

 

             أكثرُ مِنْ أسى

البحرُ يرتفـِعُ فوق جَسَدِها

فوقَ المدينةِ،

فوقَ السماواتِ،

 

وهيَ

 

تـَرتطِمُ في الجاذبيـَّةِ

السحيقةِ

وتصرخُ

فقطـْ تصرخ ُ.

 

          على السَّطـْح

المـَساءُ يـُطِلُّ كأرملة ٍ

تـُمضي ليلـَها

تـَرشـِفُ القهوة َ

وتـُحدِّثُ الخلاءَ،

لكنها لا تنامُ

خوفاً منْ أنْ تزدادَ عليها

الوَحْدة ُ.

 

          حنين ُ البلدان ِ لسُكـّانها

نظنُّ أننا في سلام ٍ،

أقدامـُنا مغروسة ٌ في بلدانـِنا

ورُؤوسـُنا عالية ٌ تستنشق ُ الهواءَ الطـَّلـْق َ.

نظنُّ أحلامـَنا تكفي لمدِّها في الأفـُق ِ

حتى إذا ما دخلـْنا المُدُن َ

انتابَ أرواحـَنا الفزع ُ

لأنها تضيع ُ في الشوارع ِ الضيـِّقة ِ

ولا تعرف ُ من أية ِ بوابة ٍ تـَفـِرُّ.

 

                مـُصالـَحة

سأعيدُ فتحَ الكُتـُب ِ التي أتممتُ قراءَتـَها

لأنها ستمنـَحـُني نفسـَها منْ جديد ٍ وكأنها

تقع ُ في معرفتي للمرَّة ِ الأولى..

سأدَّعي أنني لم أطرُقـْها قطـُّ

وستصدِّقـُني كما يفعل ُ الأطفالُ.

 

               الروح ترتجف

 

مُتبعثرة ً في الريح ِ..

مُتبعثرة ً في الريح ِ..

مُتبعثرة ً في الريح ِ..

 

 

هكذا

 

كانـَتْ

ترى

موتـَها.

 

 

 

          ولا حتى ضوء ُ النافذة

في يدِيْ قبضة ٌ منْ أزهار ِ حديقتـِنا،

ياسمين ٌ ونـَرجـِس ٌ تـَفتَّحَ

في نـَدى اللـَّيل ِ.

 

قربَ السرير ِ باقة ٌ أخرى

وضَعْتـُها منذ أيـَّام ٍ مضتْ

ولمْ

يلتفتْ إليها سائل ٌ

ولا حتى ضوءُ النافذة ِ

الذي يدَّعي محبـَّتي.

 

             حـِكـْمَتـُه

يَدعوْنِي لِلمُبارزة ِ

ويَعرِف ُ أنني عزلاء ُ

أملك ُ يداً بلا أصابع َ

وأخرى

قطعَها توّا ً.

 

          ثلجُ الأعالي

أجلس ُ في المكان ِ نفسـِهِ

قلبي يشتعل ُ في الشوق ِ

ومُقلتايَ مَحبوستان في الممر ِّ الطويل ِ.

في المكان ِ نفسـِه..

أحفظ ُ وجوهَ المارَّة ِ

ثم أدعـُهُا تتسرب ُ

كالرمل ِ من بين ِ أصابع ِ ذاكرتي

وفجأة ً يـَندسُّ وجهُهُ بينـَهم

فتتلعثم ُ أفكاري

أَعَليّ إبقاؤُه في حُجْرتـِها

أم أفتح ُ له الباب َ

ليرحلَ؟

وحينَ أقولُ: سأحترسُ

ترتفعُ حرارة ُ جسدي

وتهبـِط ُ أنفاسُ المكان ِ...

أما هوَ فيتوارى

بين الحمـَّى

والتوجُّس ِ

حتى أظنَّ أنني لنْ أقدرَ على

مَحْوِهِ

لكنني

أخرجُ للأزِقـَّة ِ خفيفة ً كرِيشة ٍ

وقلبي ساطع ٌ مثلَ ثلج ِ الأعالي.

 

                قرب البحر

 

تـُهرِّبُ أشواقـَها لِلبحر ِ

لأنها تعرفُ أنه سـَيحتضِنـُها

كسفينتهِ الأثيرة ِ نـَحْوَ الأ ُفـُق ِ.

تُهرِّبُ دمعـَها للريح ِ

لأنها تعرفُ أنـَّها أُخْتـُها.

 

 

         مقاطع من ليالي الحنين والعتمة

 

I

 

ولأننا أخذنا منَ الغيابِ جَمرَتـَهُ

فقد صارت عيونـُنا تحترقُ بالبرد ِ

وقلوبـُنا تتكسَّـرُ

عندما تخدِشُها قساوةُ الغـُرُبات ِ.

 

II

 

تركـَها في المسافة ِ

لِيـُؤثـِّثَ لنفسهِ بيتاً من البـِعادِ

ولـِيموتَ من قلبـِها على مَهَل ٍ

وكانَ بإمكانها أنْ تدركَ

منذ ُ أزمـِنة ٍ

أنهُ هيـّأ أيامَهُ لتكونَ

بلا رائحة ٍ منها

وأنهُ لا يتألـّمُ لِاختفائـِها

مِن حقيبة ِ حياتِه ِ

لـَكنـَّها كانت عمياء َ.

 

III

نسيرُ

شفاهـُنا تحتمي بالسكوتِ

خشية َ أن ينتثرَ الكلامُ

سهواً بيننا

نسيرُ.

IV

 

ظلـَّتِ الشموعُ مستيقظة ً

بانتظار ِ أن يَصلوا

فكان عليها أن ترى ظلالـَها

تحترقُ على الجدران ِ

وتكتفي بسماع ِ وقع ِ خطواتِهم

تترددُ في الهجر ِ .

 

V

 

أحرسُ الـْعَتـَمَة َ

وأشتاقُ للتحدُّثِ

مَعَ أيِّ كائن ٍ

وإن كان جندبا ً عابرا ً صدفة ً

وأحرسُ عَتـَمة َ الليلةِ التاليةِ

وما يليها

وما يليها

حتى لا أكادُ أتذكّرُ

مُنذ ُ متى وأنا في الانتظار ِ .

 

VI

 

كأنها تحادثُ الجدران َ

تقولُ كلَ شيء ٍ

وتنتظرُ

تنتظرُ

تنتظرُ

ولا يجيبُها صوتٌ.

 

 

VII

وغداً كـَذلِكَ

سترفـَعينَ الستائرَ

وتـَنـْتظرينَ

أنْ تهُب َّ الريحُ

أنْ يقتربَ طائرٌ

أو تـَتـَبدّدَ غيمة ٌ ما

في مرمى البصرِ .

 

VIII

 

تتبعُها الأمواجُ حتى تهبطـَ الظلمة ُ

وتتبدَّدَ آثارُ أقدامِها تحت خيمة ِ الـْعَتـَمَة ِ

الحبُ أيضا يتبدد ُ

حين يفيضُ الموجُ من السنواتِ

ليغسلَ كلَّ حياتِها

وحتى عشقَ قلبـِها.

 

IX

 

عَلـَى الشـَّاطئ ِ ذاتهِ

الـَّذي شهـِدَ القهقهاتِ السَّـكْرى

لِلـْمَدى

على الشاطئ ِ ذاتهِ

يأتيان ِ

ليبكيا.

 

X

 

ألتفـِتُ إلى المرأةِ التي تفترشُ ردائي

وتـُـحَدّقُ بعينين ِ شبيهتين ِ بعينيَّ

أقتربُ لأتحدَّثَ إليها

لـَكنـَّها لا تسمعُ صوتي

أو تلمَحُني

وأظنُّ أنها بلا ساقين ِ

 

مُنذ ُ لحظة ٍ جاءَتها طفلة ٌ

ونادَتـْها باسمي.

 

 

XI

وعندَما نـَذهَبُ وحدَنا

تنشَـقُّ قلوبُنا بسكـِّين ِ الغياب ِ

وعليها إمّا أنْ تموتَ

أو تـشفى .

XII

كانتْ لهُ روحٌ

تقرأ ُ صوتـَها عِندَما

تـُنادي اسمَهُ مِنَ الـْبلدان ِ البعيدة ِ ،

وَكان يعرفُ الريحَ التي تـَحمـِلُ الصدى

وَعِندَما يستديرُ القمرُ

يتوسَّدُ أحجارَ الحديقة ِ

لِـيبوحَ لها بأشواقِه ِ،

وكانتْ تـُصغِـي.

 

XIII

 

وَلنْ يأتيَ النعاسُ إلى بيته ِ

حتى يَحترقَ القلبُ

وهذهِ المرّة َ ليس بالجراح ِ

وإنما بالحبِّ الذي

يرتشفُ قهوتـَه وحيداً في الصباحاتِ

وينطفئُ باكراً عندَ أول ِ قطرة ِ عَتـَمَةٍ

تسقطـُ في ماء الليل ِ .

 

XIV

ستسيرُ ببُطـْء ٍ هذا المساءَ :

تقولُ لِظـلـِّها الذي يصعَدُ بجانبـِها

الدرجَ نصفَ المُعتم ِ

وقبلَ أنْ يلمَحَها ضوءُ القمر ِ

تدسُ يدَها في جيبـِها مـُتـَحَسِّسة ً

تعويذة َ أمـِها

ستسير ُ بكثير ٍ منَ الحذر ِ

حتى لا يسقط َ قلبُها

في بئر ِ الليل ِ

فلا تعرفَ

بأيِّ حيلة ٍ تـَسترِدُّه هذه المرة َ.

 

XV

حملـَتْ مِظلـَّتـَها وانسلـَّت خِلـْسة ً

هلْ كانت في عجلة ٍ

أم يُناديها

عشق ُ الاِْبتلال ِ بالمطر ِ؟

 

XVI

شَكـَرَتِ الله َ ملياً على أ ُعطياتِه

شَكـَرَتـْهُ  عميقا ً لأنـَّهُ مَنـَحها

أنْ تختارَ بينَ أنْ تتخلـَّصَ

من ذكرياتِها

أو ذاكِرتِها

وظنـَّت أنه كان رحيماً بها

حينَ لمْ تجـِدْ في الصباح ِ

شيئاً تستعيدُه.

 

XVII

تـَختبـِئ ُ في خـَيمة ِ أفكارِها

حتـَّى لا يطـَّلعَ أحد ٌ

على أسرار ِ قلبـِها

الملوّح ِ بأكثرَ منْ عَتـَب ٍ

تختبئ ُ في الغياب ِ

وَتـَظـُنُّ أنَّ ذلكَ يـَكفي.

 

 

XVIII

ورُبـَّما سيعود ُ ذاتَ يوم ٍ إلى بيته ِ

إلى بيت ٍ آخرَ وآخرَ

وستـُذكـِّرُه كلُ البيوتِ بها

وبذهابـِها الذي يُشبهُ

موتَ الموج ِ على الشـَّواطئ ِ الظامئة ِ

وستـُذكـِّرهُ البلدانُ بضِحْكتِها المدويّة ِ

حينَ تكون ُ سعيدة ً

وسَيـَبحث ُ في عيون ِ النساء ِ

عن ِ البريق ِ الذي كانَ يضيءُ الطريقَ

سيجمَعُ الأزهارَ البريَّة َ في الصباحات ِ

ويقف ُ في منتصفِ الحديقة ِ

محتدما ً في الحيرة ِ

تـُرى لمن سيأخـُذ ُها الآنَ

وقد أصبح َ وعراً كالجبال ِ

ولِمنْ سيقولُ :

صباح ُ الخير؟

 

XIX

تـَستعينُ على حُزنـِها

بـِبلـَّورِ البُحَيرات ِ

ليـَشفيَ حروقَ جـِلدِها

وإذ تـَصليهَا نيرانُ غيابـِه

تحتاط ُ أن لا تَرُدَّ السلامَ

على ذِكرَاهُ

لئلا تجعلَ أحشاءَها تـَنـْقبضُ.

 

XX

كالـْأطيار ِ

تجيءُ لتبنيَ لها بيتاً

وقـَبلَ أنْ تنتهـِيَ تـَطرُدُها الـْعَاصفـَة ُ

فتتركُ خلفـَها ريشـَها وتـُهاجرُ

ها هي تـُؤثـِرُ هجرَ الأمكنة ِ

بعدَ أنْ طلب َ منها أنْ ترحلَ

وتهزُّ رأسَها للمدى

غيرَ مصدقة ٍ.

 

XXI

وَحينَ تـَذْهَب ُ الكلمات ُ إلى أكـْوَاخـِها

سـَتفترِش ُ عـُشـْبَ الزَّوايا

مُسْـتـَلِذَة ً بصمت ِ الغياب ِ

وَسَوفَ تطير ُ مِنْ أمامـِها الـْجَنـَادِب ُ

دُونَ أنْ تلحَـظـَها.

 

XXII

في الغرفة ِ المُتبقـَّيَة ِ

مِنْ تـَرِكـَة ِ الحُقـُبِ الذاهبةِ

أجلسُ فوقَ المقعد ِ

بجانب ِ السرير ِ

أغسلُ الجدرانَ بآخِـر ِ ضوء ٍ متبق ٍ

على حافـَّة ِ الروح ِ

أجلسُ على المَقعد ِ المقابل ِ للنافذة ِ

لأرتشفَ كوبَ الشاي ِ الأخضر ِ

وأسألُ اللهَ مرة ً أخرى

أن يجعلَ ذهابي

يبدو وكأنهُ محضُ مُصَادفـَة ْ .

 

XXIII

قالـَتْ لـَهُ كـُلَّ شـَيْء ٍ

حتــَّى لم يـَعُدْ لـَدَيـْها

مَا تمنحُهُ لِأحَد.