مختارات من المجموعة الشعرية  (رواحل) 

            مقاطع من قصيدة الخردلات المذهّبة

ذاتَ سهرةٍ

غَفَوتُ مُلملِمة ً قلبي في ثوبي

كانت الليالي تـُخاتِلـُني لتـُجِهزَ عليّ

فيما كانتِ الأقمارُ التي عشِقتـُها تـَتـَدبَّرُ الأمرَ

والنـُّجومُ تـُناوِلـُها الشَّفرات

استيقظتُ

وَجَدتُ الأحلامَ مذبوحة ً كعصافير َ

وتـَحتَ وِسادتي عُدَّة ُ المَـوْت.

 

(**)

 

 

يأتي مُزيَّناً بالتبَسُّـمْ

يُؤلِبُ الأحزانَ

يُدْمي القَصَص

الدِّيارُ مذعورة ٌ

الرجالُ يلثمونَ عيونَ النِّساء والصِّبية

والوديانُ مُسيَّبَة ٌ في الجادَّات

ماذا يحدثُ هناك؟

يصيحُ السَّائِلُ

لكنَّـه يأتي مُزيَّناً بالتَّبَسُّمِ

البيوتُ تـَرفُلُ في عويلِها

وهو مُزيَّن ٌ بالتَّبسُّم.

 

(**)

 

أستيقظ ُ على زخَّات الهواء

أفتحُ النـّافذة أرى طِفلا ً يتلهى بالبكاء

أفتحُ قلبي

فأرى عُصفوراً ميتاً.

 

(**)

 

مِثلَ طفلٍ يعرفُ أنه حين ينامُ تتراءى له طيُوفـُه

البنفسجيَّة

نمتُ في حُضن الليل   لكنني لم أحلمْ بشيء.

 

(**)

 

لأبدأ الكتابة،

يكفي أن أعدَّ قدحَ القهوة

وأوصِدَ البابَ

أنْ أخونَ الجموعَ لِوَهلةٍ

فَقَـط لِوَهلة.

 

                      مملكة الظنون

 

خلف هذا المساء

الذي تـَحارُ فيه النـَّجمة

من أي مِشكاةٍ تـُطِلُّ

وأي باب ٍ تنفُـذ ُ

خلف هذا المساء

لمحتُ أحلاماً غائرة العينين

تُـلـوِّحُ بأذرُعتِها المُتعَبةِ

قبل أن تضعَ رداءَها على كتِفيها

وتغيبَ في العتمة

كطائر

روَّعتـْهُ الرّيح

آآآآآخ

إنها الصرخة

تقتربُ مني دون أن تعرفَ لمن

تـَرْتـَدُّ

أطلقتُ فراشتي الفزعة

وحفيفُ الثوبِ يتبعُني

مطمئِناً

أنني لمْ أخُن الرِّفقـَة َ

هل أعود؟

هذه رؤيا أم مكيدة؟

الجهاتُ مـُحاطة ٌ بالوَمضات

ثـُلمَة ٌ في الليل

تتقافز مثل ذُبالةٍ وسِنَةٍ

والثوبُ خلفي شفرة ٌ تشحذ ُ الطـُّرُق

فهل أعود؟

هاكِ

ادْعكي مِحجَريكِ بهذا الخـُبز

مَنْ؟

ليْسَ قبلَ أن تتضوَّرَ المياه ُ

وييبسُ القمر

مَنْ؟

لن تسمعي غيرَ الصوت المـُشَجـَّج ِ كسِكين

علـَتها الأزمنة

الأطيارُ فوق أفنانِـها

راقصات ٌ تجمّدنَ في الدوَران

الأشجارُ مَيْتة.

تعالي

أُدفئُ فيكِ البَردَ

لا... لا

الصرخاتُ ترتجُ في حواشي

وحفيفُ الثوبِ يبتعدُ،

جسمي عصاة ٌ تترَنـَّحُ بين كفـَّينِ مجهولين

مـُقلتاي غيمتان

مَنْ؟

أسمعُ الطرقاتِ تصعَق أذُنيّ

 

 

أرخيث ُ أصابعي عَن وجهي

وإذ بحمامة تـُدحرِج ُ بيضَتـَهـَا

فوق صدري

ولساني يُردِّدُ كبندولٍ عتيق

خلفَ ذاك المساء....

 

استدراك:

عند الفجر

حزمتُ قفتي

وخرجتُ في

صحبةِ

العاصفة

غاصتِ البيوتُ أمام ناظري، ارتعدَتْ أطرافُ الأرض ِ ...

صرت ُ مثل سُلحفاة ٍ عجوز ٍ على سطح كوكب وعر ليس بيني والفضاء سوى ريح عاتية وغيومٍ مزيَّنةٍ بالماس. فجأة تحوّلـَتْ إحدى الغيماتِ إلى امرأةٍ تتقدّمُ نحوي وأنا أركض بحثا عن مأوى، أصِبتُ بما يُشبه الحـُبَّ؛ لكنها كانت تتعقـَّبُني من قلعة إلى قلعة، من غرفة إلى غرفة، صرختُ لا تتقدمي أكثرَ سوفَ تـَسحقـُني كهرباؤكِ، تركـْتـُها في إحدى الحـُجـُرات جالسة ً كمُدرَّسةٍ من العصور الغريبة تحتسي الدروسَ وتبكي، تحتسي الدروسَ والفصْـلُ خالٍ إلا من الأدراج بينما أنا في الخارج مَنكـُودة ٌ، أصعَدُ سـُلـَّماً وأهبـِطـُ سُلـَّما آخر بحثا عن كهف.

 

                            بالأمس

بالأمس ِ تعارفنا،

أرَّخنا تواقيعنا

على الطرقاتِ الطويلة،

بالأمس ِ أفتعلنـَا

أول سببٍ للقاء،

وأمضينا أوَّل يوم ٍ

نـُؤثـِّثُ فيه خَيمَتـَنا.

بالأمس ِ ،

أقسِمُ أنَّه بالأمس.

إذا ً ما كـُلُّ هذه السّنوات

التي كلما عددْناها

زادَّتْ واحدة؟

 

                        أساور الليل

 

الرّيحُ تموءُ قربَ البابِ

الصَّمتُ مُشتَعلٌ في الدارِ ،

وقلبي مشغولٌ بالأنـَّاتِ المُرتاعَةِ هناك،

هناك حيثُ تسقط ُ القَطرة ُ من السَّماءِ

ولا نَسمعُ لها صوتاً.

الرّيحُ تموءُ

دونَ أن أجرؤَ على فتحِ البابِ ،

كانتِ الظلماتُ الشَّقِيـة ُ

تُثـَبِّتُ نبالـَها

لاصطيادِ المارةِ بينما روحي ، تموت .

المطرُ هو أيضا يتكسّرُ على العَتـَبةِ بلا حُب ٍّ

والسِّراجُ ينطفئُ مدفوناً في الآنيةِ اليابسةِ.

أمّا الظـِّلالُ فتراقصَتْ خلفَ النافذةِ مُؤدّية ً

أنشودة ً حَيْرى

ثمّ رَحَلتْ قبل أن يَستَشِفُّها الضّياء.

 

                    أعطية الشتاء الأولى

 

منْ بين كلِّ الليالي

أختارُكِ

لأغفوَ تحت سَقفِكِ،

لأتأمَّل مروجَ السَّماء،

ونارَها المُوقـَدة

للنائمينَ في عرائها.

هذه الساعة َ تلهو الرّيحُ

بالنَّوافِذِ ،

تـَقشـَّعرُّ الغيْماتُ في الأعالي.

هَطلَ المطرُ سخيَّـا وبارِداً،

لكنَّه

سرعانَ ما يَبِسَ

في بُحيرتِنا.

 

                               المرمر الدّاكن

 

بعدَ كُلِّ هذه الفُصولِ،

وَرَشقَةِ العامِ للعام،

ها أنا بانتظارِكِ أيتـُها الجَدَّة ُ،

بانتظار ِ ذلك العقابِ الرّؤوم ِ

الأشَدُّ من لسْع ِ عاصفة ٍ.

ها أنا أخلعُ وجهي وأنا ولهٌ للزاوية،

رأسي بين يديَّ الحالِكتين

وثيابي رَثَّة ٌ وباردة.

سَوفَ تأتي الآنَ

سَوفَ تأتي بَعدَ قليل،

سوفَ تأتي ...

لكنَّ القـَمَرَ -

الفاكِهة َ الفاسدة َ

المُعلـَّقة َ فوقَ المساء -

انطفأ في مِعطفي.

ها أنا في الـرِّواقِ العتيق ِ

ساعداي مضمومتان وقدمي تـَّحُفُ الفراغ َ

تلميذة ٌ بائسة ٌ

تَشيخ ُ كلما وطئـَتْ عتبَة َ الباب.

أيَّتـُها الجدَّة ُ

بعد َ كلِّ هذه الفصولِ

وَرَشقَةِ العامِ للعام،

أنـّى لي بجديلةِ الحكاياتِ تنفرط ساعة َ سعدكِ.

أنـّى للصُّبح ِ أنْ يفوحَ

برائِحَةِ الخُبْز ِ السَّاخِن

وبقائِمَةِ الوصايا الأثقل ِ من حقيبة ِ المَدرْسَة ِ.

أيَّتـُها الجدَّة ُ الطـَّيبة ُ

القلبُ ثـُلمَة ٌ تـَحتَ القميص

فكيفَ بالثـُلمةِ

وهي لم تُـتِمُّ بَعدُ أعوامَها السَّبْعَة؟

الأكاذيبُ حِكمَة ُ الصّغار

فما عَساي أن أ ُخبِرَكِ

لتـُدرِكي كمْ كنتُ طِفلة ً؟