مختارات من المجموعة الشعرية (منازل الجلنار)

 

                   بعد ألف مساء ومساء

 

عندما مُتُّ ، عدتُ إليكم

كـُنتـُم تـُهيّئونَ الأسِّرة َ للنوم

وما أردتُ أن ينالكم الفزع

في غمرة الليل.

قلتُ: انتظرُ بين أشجار حديقتي

فارتاعت الأصص الصغيرة

ونفرَتْ من شبحي الأغصان.

خارجاً سرتُ بمحاذاة الحي القديم

وكلما مررتُ ببابٍ

ضجَّتْ لإقترابي الجنادب

بحثتُ عن أمي المنسيّة في الحِقَبِ

وجدُتها نائمة في قبرها كما لو أنها

جاءت ليلة البارحة وبجوارها

سرير أعدَّ لطفل ٍ قد وُلد تواً ،

لم يستقبلني رحمها ،

لذا أزحتُ الأغطية

واندسستُ في مهدي

كالذي يصل آخر النهار إلى

          حيّه.

 

                    تذكارٌ في تعب الأزمنة

 

تركتُ الليل

يُشعل لملائكته كبريت الموت

وانزويتُ في ركني القديم

أتهجى الأصدقاء

   الذين انسلـّوا كصوف من

   سجادة السنوات،

الجدَّات اللاتي أخذن قمحهن

وخبز الصباح الساخن معهن

   واختفين،

أتهجى الفصول التي احترقت

دون أن تلاحظـَني

أو أ ُلاحِظ َ شعرَها المتهدّل

في الساحة الخلفية للدار.

تركتُ الليلَ

يُبدِّل زيت السراج

ويُوصدَ النوافذ

لأرفو أكاليلكم

وأحتفي بما تركتموه لي من ياسمين

   في مزهرية

          الأزمنة.

 

                  المسافرُ من ليلٍ إلى ليلٍ

 

واقفاً

كدعامة بيت طاعنة في الشيخوخة

منتظراً هبوط المساء

وحفنة الأنجم تـُضيءُ الدهاليز.

 

واهناً أحرسُ الوقتَ

مـُتوسلا ً

أن تنزلِق َ مزاليج دياركم

أو تنفرجَ الستائر

حتى أ ُلقي لكم بباقتيِّ

ريحان وياسمين من زرع قلبي.

مـُحتضراً على العتبات

لا سراج

يأتي من ناحيتكم،

لا قمر.

كالطارق المحترف للتوسل،

كالطارق الذي لم تنتبه

إليه الجادّات،

لا تـُفتـَحْ له الأبواب،

ولا يسأله المارة

عن كارثة ِ ليلِه.

 

                    في الغياب

 

في الغياب

يقصـُر المساء عندما نريد منه

أن يـُعيرَنا أقماره.

 

في الغياب

تـُوصِدُ المُدن  بواباتها عندما

نبحث قرب أسوارها عن

                  مأوى.

 

 

                           غـُربات

لعامين أو أكثر

كانت الحجرة مغبرة

ومعتمة،

كانت العناكبُ تبني فيها قبائل ومحميات،

لعامين أو أكثر

تهدلت الستائر كجلد عجوز في التسعين،

النوافذ شرّعت مزاليجها للطرائد

وغارات الصِبية المشردين في

منتصف النهارات.

بعد عامين أو أكثر

حررتُ الأبوابَ،

نفضتُ العثَ،

وأشعلتُ الفوانيسَ للروح التي هجت من بيتها

فلما عادت أخليتُ المكان

متأملة ً أن تقرّ عيناها

وبعد عامين أو أكثر

رجعتُ

فوجدتُ النزلاء قد تبدلوا

لم تكن الروح في مسكنها

وصرتُ أنا كالغريبة.

 

                رصاص رحيم

تحت السماء التي ليست لي

صَوَّبَ بندقيته نحوي

متوقعاً أن أنحني

أو أفرَّ هاربة ً

نظرتُ إليه

كان يرتجفُ كحصان ٍ

تـُركَ الليلَ برمته في العراء

وكنتُ أبتسِمُ مـُصلـِّية ً

أن يـُطلِقَ الزناد سريعاً

لأنني قبلـَها بليلةٍ فقط

تمنيتُ أن تـُصيبني

رصاصة طائشة.

 

                   ساكنُ المدى

إنه يوم آخر

يوم لأكاذيب المعزين

وغمزات النساء خلف الأحجبة

يوم لمكائد الريح التي تتظاهر بالسكينة

وحين نوصد نوافذنا ترشقنا بالرمل.

 

إنه يوم لتهكم الشجيرات في الحديقة،

ولهذا الصباح الشتائي الذي جرّدنا

من قمصاننا على غفلة.

 

وإنه يوم لك أنتَ أيضا

تستلذ بموتك في هدأة الملوك

تاركا ايانا نتلظى في الكارثة.

 

 

                            يقين

الآلام –

قصائد مهجورة على الرف

تلتقطـَها

فتحترق يداكَ،

تقرأ ُ أسماءَها

فيتيبس فمكَ،

وعندما تتذكرها كلها

يتمزق

قلبكَ.